علي بن محمد البغدادي الماوردي

245

النكت والعيون تفسير الماوردى

قوله تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم ، شيئان : أحدهما : إتيان النساء . الثاني : الأكل والشرب ، وذلك أن اللّه تعالى أباح في أول الإسلام الأكل والشرب والجماع في ليل الصيام قبل نوم الإنسان ، وحرّمه عليه بعد نومه ، حتى جاء عمر بن الخطاب ذات ليلة من شهر رمضان ، يريد امرأته ، فقالت له : إني قد نمت ، وظن أنها تعتل عليه ، فوقع بها ، وجاء أبو قيس بن صرمة ، وكان يعمل في أرض له ، فأراد الأكل ، فقالت له امرأته : نسخّر لك شيئا ، فغلبته عيناه ، ثم أحضرت إليه الطعام ، فلم يأكل منه فلما أصبح لاقى جهدا . وأخبر عمر وأبو قيس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما كان منهما ، فأنزل اللّه تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ . فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فيه تأويلان : أحدهما : العفو عن ذنوبهم . والثاني : العفو عن تحريم ذلك بعد النوم . ثم قال تعالى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ يريد به الجماع ، لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة ، وكان ذلك منه بيانا لما كان في جماع عمر . وفي قوله تعالى : وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ثلاثة أقوال : أحدها : طلب الولد ، وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، والسدي . والثاني : ليلة القدر ، وهو قول ابن عباس ، وكان يقرأ واتّبعوا ما كتب اللّه لكم . والثالث : ما أحل اللّه تعالى لكم ورخص فيه ، وهذا قول قتادة . ثم قال تعالى فيما كان من شأن أبي قيس بن صرمة : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ اختلف في المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : ما رواه سهل بن سعد قال : لما نزلت كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ